ٍسبع صنايع

Friday, December 29, 2006

 

دار سوسن للنشر و التوزيع




سبع صنايع

كتابة حرة



مي كامل



Thursday, December 28, 2006

 




(الصنعة الأولى)

فيروس


لطالما مقتّ تلك المقدمات الطويلة قبل كل رواية و قبل كل مقال .. ولا سيما تلك المقدمات التي يكتبها آخرون ليقدموا بها أعمال آخرين ولأني اكتب مذكراتي ؛ فسأدخل في الموضوع مباشرة .. إنها حالة فتور .. وهي حالة كم وددت أن أتعامل معها كما لو أنها حالة مرضية مثل حالات البرد والنزلات الشعبية والتي ترد إلىّ كثيرا ولكن تلك الحالة الفاترة ربما تكون أخطر.. نسيت أن أقدم نفسي أنا طبيب ..

يبدأ كل فرد عمله بقمة الحماس ثم لينزل عن قمة الحماس تلك شيئا فشيئا ويبدأ في التنازل عن حماسه بخطى خفية لا يستطيع رؤيتها بالعين المجردة .. إلى أن نصل إلى مرحلة الفتور وهنا يبدأ في الصعود لقمة جبل الفتور إلى أن يهوى من فوقه على اللاشيء .

وهكذا تصبح نهايته ونهاية غيره ممن أصابهم تلك الحالات التي لا تعرف متي تصاب بها ؛ ولكن أعراضها تظهر فجأة وتبدأ فى الانتشار بشكل سريع..اعتقدت أنها تأخذ في تكاثرها طريقة الفيروسات في انتشارها بأي عائل ؛ ولكن مع فارق صغير كان نقطة تحول .. ففي حالات الفيروسات العادية البسيطة فهناك ألف دواء ودواء لتلك الكائنات الصغيرة جدا .. أما في فيروس الفتور التدريجي .. ؟؟؟؟

وبدا اليوم كالمعتاد مع كشف مستعجل لأحد مرضاي الدائمين ، لم يكن مريض ولكنه دائم الكشف ليطمئن على صحته .. أو كما نسميها نحن الأطباء يجري "تشيك أب" وكانت نتيجة الكشف: سلبي تجاه الفيروس أي أنه معافى وسليم .. لم اكتب له حتى بعض الفيتامينات .. كان حقا في غنى عنها .. تساءلت دائما في عجب .. بالرغم من انه ميعاد انتشار فيروس الفتور إلا انه لم يصب به يوما .. وبدأت الأبحاث في هذا اليوم بعد انتهائي من الكشف على الكثيرين غيره وكلهم كانت حالتهم .. إيجابي تجاه الفيروس .. جميعهم كانوا مرضى ماعداه.

ذلك المرض اللعين كان قد تغلغل بداخلهم .. تحصن داخل عقولهم قبل أجسادهم أوهمهم بأنه لا سبيل لهم من مكافحته .. تمكن منهم .. تمكن من هدر كل قواهم في سبيل مكافحته دون جدوى فأسقطهم الإعياء ليقعوا فريسة سهلة له .. ثم لم يقووا بعد ذلك على .. على .. على أي شيء وكل شيء .. اصبحوا عائل وعالة على كل من حولهم ..

اشعر بكثير من الأسى .. ولكن كان هناك ذرة أمل في تلك الحالة التي تأتيني كل صباح لتلقي إلي بذور الأمل في الوصول لتركيبة المصل لهذا الفيروس .. وبدأت بتشخيص تلك الحالة ….

ناجح هو .. وله سلسلة من الأعمال المتلاحقة المتتالية والتي ومن العجيب انه يستمر في أداءها دون إصابته بأعراض الفتور و بعد التحليل ولاني اكره المقدمات الطويلة كما سبق وذكرت .. اكتشفت كيف يقوم بهذا .. فهو يقوم بتقسيم تلك السلسلة إلى جزيئات صغيرة من الأعمال ثم يقوم بجدولتها ثم وضعها في قائمة .. ويبدأ في الانتهاء من كل جزئ منها على حدا وما يكاد أن ينتهي من واحدة حتى يحذفها تماما من القائمة فيعد إلى الصفر وكان شيئا لم يحدث وكان عملا لم ينجز وهكذا .. إلى أن تنتهي كل القائمة فيلقي بها ليبدأ يوما جديد بقائمة جديدة بروح جديدة ..

و أخيرا توصلت للمصل .. إنها البدء في العمل كأنه الأول بالنسبة لك وكأنك لم يكن لك تاريخ يذكر .. ماذا تفعل لو وددت أن تثبت نفسك في عمل لأول مرة؟ كم من جهد ستبذل؟ كم من قوة ستدفع بها ؟

طبقت التجربة على الكثير ..
النتيجة: سلبي جدا جدا
اشعر بكثير من الأمل نحو كل شيء.

انتهى أسبوع من العمل المتواصل مع اكتشاف المصل لهذا المرض البسيط..

ملحوظة: تم حذف هذه الورقة من دفتر المذكرات –الفارغ- وكأن شيئا لم يحدث ، وكأن عملا لم ينجز.





Wednesday, December 27, 2006

 








(الصنعة الثانية)
ثلاثة أكياس وصندوق


في عملنا نعتمد أكثر على قوة التحمل بل الاعتياد على التحمل ذاك .. ليست مسألة قوة وإنما مسألة اعتياد حمل قدر معين من الشيء الموضوع أعلى كتفك ..
وهكذا تعتاد الشيء.

أصعب ما في مهنتنا هو أول عام حيث يمر عليك بآلام ظهرية لم يسبق لك الشعور بها ولكن سرعان ما يخف الالم ولا يخف الحمل فتبدأ الاعتياد على ذلك القدر حتى تصبح بلغة مهنتنا ... عتال

كانت أول مرة أحمل فيها شيء يوضع فيما أعلى كفي ذاك .. لطالما حملت كل شيء بيدي لم افكر يوما ان الكتف ذاك يجوز له حمل الاشياء .. كنت لازلت صغيرا عندما وضعوا فوقي ذلك الشيء البني اللون والمسمى بالقصعة ولم اكن ادري ما الذي أحمله .. كنت كالحمار يحمل أسفارا لم يعرف ما تحتوي تلك الأسفار يوما .. سرعان ما زاد الحمل يوما عن الآخر حتى تبدلت القصعة بكيس رمل ثم اثنان فثلاثة .. و أصبح معدلي ثلاثة اكياس رمل في المرة الواحدة .. وكما قلت لك ليست مسألة قوة وإنما بالتدريب أو كما علمونا الاعتياد..

قمت بصنع علاقات سريعة ورائعة مع كل زملائي فى العمل – العتالين- سرعان ما أصبحنا جميعا أصدقاء في لمح البصر .. شعرت كثيرا بحبهم لي مما أزاد عندي العاطفة تجاههم .. وتعجبت كثيرا عندما بدأ كل منهم يطلعني على أدق أسراره وأكثرها تفصيلا .. عجبت لهم في تلك الثقة السريعة وعجبت أكثر من كل تلك الاسرار المكنونة .. لقد فتح كل منهم صندوقه وصار ينقل كل ما به في صندوقي انا حتى امتلأ ..
اولا تدري شيئا ..؟
كانت الثلاث أكياس رمل أخف علي كثيرا من ذلك الصندوق الثقيل .. بل إن التخلص من تلك الاكياس كان ينتهي بمجرد إلقاءها فوق التل الرملي الصغير أمام المبنى المسلح .. بينما لم أعرف يوما كيف ساتخلص من ذلك الصندوق المكدس الثقيل .. إلى أين سالقي به .. لم يكن هناك مبنى أو تل أكوم فوقه ما بالصندوق .. أهناك من يستطيع حمله لي؟ أيود أحد مشاركته معي .. ؟
خشيت أن أعلن عن رغبتي في عتال آخر من نوع خاص جدا ليساعدني فيما احمل .. كان كل اصدقائي بداخل ذاك الصندوق .. وكنت لاطلب من اصدقائي المساعدة

أهي المفارقة .. ؟ ربما
أهي سخرية القدر مني .. ؟ لطالما كان كذلك

الغريب اني لم اتذمر يوما قبل حمل الثلاث اكياس ولكني كنت أخفي ارتياعي قبل تعبئة ذلك الصندوق .. ترى ماذا سيلقى فيه تلك المرة ؟؟
كان في كل مرة يزداد صندوقي وزنا فوق وزنه .. تشعر وكأنك تحمل صراع وأحاديث لو نطقت بها لاشعلت حربا فيما بينهم .. ربما لو كان أحدا غيري لشعر بالقوة فيما يحمله من حوارات وأحاديث ومشاعر تجاه كل طائفة منهم من الاخرى .. ولكن .. ماذا أفعل بتلك العاطفة تجاههم .. لم اكن احبهم .. بل أعشقهم.

أصبح لي أصدقاء كثيرين ولكنهم كلهم اصبحوا من أساس عملي .. الرمال .. القصعة و تلك الشاحنة التي أعتدت قيادتها .. أعتدت شيئا أخر .. الابتعاد وقت البوح
لازلت اشعر بكل عتال يحمل فوقه ثلاثة أكياس رمل .

و أنا ... لازلت عتالا لم استطع التخلص من مهنتي – عادتي-
اصبح المقدار الثابت لما أحمله يوميا هو ثلاثة أكياس وصندوق ..



Tuesday, December 26, 2006

 








(الصنعة الثالثة)
شطارة


" التجارة شطارة " وأنا تاجر شاطر جدا .. لم يغلبني احد ولم يستطع احد يوما ما ان يفاصل معي .. تربيت فى اقذر انواع الاسواق وعرفت كيف البيع وكيف الشراء وكيف الخسارة والربح ولكني ولأكن صادقا معك -ولو لمرة فى حياتي- فأنا قلما ما اشتري .. أو انك اذا عددت عمليات الشراء والبيع لوجدت البيع اكثر حيث الربح..

كثيرا من الناس يطلقون على الكثير من الالقاب مثل الخسة او الدناءة ولكن اكثر ما يقال عني اني لا استحق ان اكون انسانا مثل سائر البشر .. وبصرف النظر عن رايهم في الا اني انسانا رغم انف كل منهم و اولا واخيرا " التجارة شطارة " ولا ارى في ذلك اي عيب.

أبيع كل شيء ؛ فكل شيء قابل للبيع طالما هناك ثمن له وعلى مدار عملى بالتجارة وجدت بضائع قديما لم يكن لها سوق ولا مشتري ولكن اليوم راجت كثيرا واصبح سوقها مربح جدا جدا فوق ما تتخيل والعكس البضائع القديمة التي كانت رائجة قد هبطت اسهمها ولم يعد لها مكان بيننا اليوم اللهم الا فى بضعة اسواق تعتبرها دليل على شرف المهنة ولكني لا زلت اؤكد ان كل شيء قابل للبيع .. عفوا فى اني اكرر كلامي كثيرا ولكني اعتدت ان اتمسك بكلمة واحدة ثلاثون جنية اى ثلاثون جنيه لا فصال ولا تردد .. عفوا حكم المهنة.

أما عن الشراء فليس كل شيء قابل للشراء هناك ما تستطيع ان تتحصل عليه بلا اي مقابل .. ليست سرقة –استغفر الله- وانما نطلق عليها هبة من الله بصرف النظر عما يطلق عليها الناس الالقاب الاخرى .. وهناك شراء المحروق وهى ليست كما يظن الاغلبية " بطظاد في المية العكرة " انما هى تجارة والتجارة كما تعرفون ...

لازلت حتى الان لم افسر او اوضح لماذا اكتب مثل ذلك الكلام عني ولماذا تلك المقدمة الطويلة.. لربما مللت ولكنى عفوا ايضا بحكم المهنة فأنا كثير الكلام وطويل المقدمات .. لم اهتم يوما لكلام الناس عني الا اني مللت تلك الالقاب البشعة عني خاصة واني تاجر وسمعة التاجر ضرورية دوما لكل التجار – ضرورية احيانا بالنسبة لى – الا اني فى كل الاحوال اكتب هذا لادافع عني .. نعم .. لأول مرة سادافع عن نفسي ضد ما يقال لي .. يتهموني بالخسة لاني اتاجر في بضائع ذات سوق مربح ولها ثمن وانما ليس ثمن مادي .. عفوا فقد سقط مني سهوا ان اوضح لك شيئا . . اني لم ابع شيئا يوما مقابل اي نوع من انواع النقود فأنا لازلت طالب بالمرحلة الثانوية الا اني امارس التجارة كنوع من اشغال وقتي الثمين .. ومصروفي من والدي يكفيني .. الا اني مارست التجارة او كما اسميها تجارتي انا كنوع من الهواية ثم تحولت لاحتراف ..

بعت كل شيء .. بدات الهواية معي عندما بعت اول مبادئي التي علمها لي والدي وكان مبدا الغش فبدات التجارة مبكرا وبدات الغش معها ولا اسمح لكم ان تطلقثوا على غشاشا فمثلي مثل اللبان ان كنت سأصبح غشاشا لاني غششت فى الامتحان فماذا عن لبنه المغشوش بالماء؟!!
ثم شيئا فشئيا تحولت الهواية لاحتراف وبدأت ببضاعة اكبر بقليل وهى تلك المشاعر التي خلقها الله لنا.. بدأت ببيع مشاعر وهمية ولكن ليس لي اي ادنى ذنب، لم اقل لمن اشتراها انها اصلية ولم اذكر جودتها فقد كانت وهمية 100% الا ان البضاعة اعجبت المشترى فهل ارفض البيع ؟!!

ما اقوله هو اني تاجر فقط .. وتاجر شريف .. مارست التجارة بشطارة وان انطليت عليك شطارتي فتلك مشكلتك أنت وليس لي اي ادنى ذنب .. صدقت معك اليوم فى كل كلمة ولم افعلها طيلة حياتي .. ولن كنت صدقت كذبي فى المرات السابقة فليس لاني كذاب بل انك انت الذي صددقتني فتلك مشكلتك

ما اقوله هو اني تاجر شاطر وما انت الا مشتري لم يتمرس فى السوق لذا لا تصفني بالخسة او بالدناءة بل بالشطارة لقد عرفت كيف ابيع بضاعتي على الاقل ولا زلت ابيع حتى الان .. ولازال البيع ساري حتى نفاذ الكمية ...




Monday, December 25, 2006

 





(الصنعة الرابعة)
البقاء للأقوى


اعتدت مشاهدة فيلم ماكبث عدة مرات متتالية ومتكررة .. وفي كل مرة لم استطع منع نفسي من تثبيت الصورة عند مشهد قتل ماكبث للملك ثم اعيده مرارا وتكرارا .. كم تعجبني تلك اللقطة عند ذاك السن المدبب عندما يدخل في تلك الجثة – باعتبار ما سيكون- ثم ... انتهى العمل ، وقد تم على اكمل وجه .. و لايهم ان اكتملت تلك الجريمة أو لا .. ففي تجريدها من تلك المسميات التي لااعترف بها .. هي ليست جريمة في الاصل وانما هي عمل .. وعمل قد تم بشكل جيد .. بل نجح واتى بثماره .. فلقد مات .. تماما كما أفعل .. عفوا ..
أنا قاتل مأجور ..

لا تسألني عن العميل الذي أعمل لديه فهو سري للغاية .. مثلي مثل الطبيب الذي لايحق له الإفصاح عن حالة مريضه .. كذلك أنا .. لا يحق لي الإفصاح عن عميلي مطلقا .. وكلانا يعمل وكلانا ينجح .. فلست بأقل من ذاك الطبيب في شيء بل ربما أحب عملي أكثر منه.
ولكن لأصدقك القول .. فأغلب الاحيان اعمل لصالحي أنا ..

كم أمقت المشهد الذي يلي مشهد القتل في فيلم ماكبث .. ولم الندم؟ .. واتساءل لماذا تعمد شكسبير ان يجعل بطله يندم بعد قتله تلك الجثة .. فبلغة العمل لا نعتبر علمنا هذا سوى جثث مقتولة اصلا .. وأكره جدا ذلك المشهد .. أيندم بعد أن انجز عمله؟ .. صحيح قد نسيت انه لم يكن مثلي ..قاتل مأجور.

بدأت عملي كهاوٍ .. فأنا أهوى القتل ومن ثم احترفته .. قد تعودت أن اغرس ذاك الخنجر المدبب المسموم الحاد في قلب تلك الجثة الضعيفة .. نعم ؛ ضعيفة فلو كانت قوية لاحتملت تلك الطعنات العنيفة القوية القاطعة .. ولكن حتى الآن لم أكد اتم طعنتي الاولى فى اى جثة حتى ترتخي في الارض سريعا وسرعان ما اكمل طعناتي هباءا بلا تاثير..
قد اتممت العمل سريعا .. الم اقل لكم !! إنه الاحتراف ..

أجرني احدهم لقتل طفلة صغيرة .. كان الاجر مغري .. كانت الهواية التي تملكتني اكثر اغراءا .. لم افكر .. وافقت فورا .. وكان الهدف هو طفلة -عفوا جثة صغيرة- لا يتعدى عمرها ثماني سنوات .. كانت الجثة جميلة حقا .. ولكننا لانهتم بتلك الاشياء الفارغة .. تجدنا دوما نتجه صوب القلب والعين فقط .. مثلنا مثل المتجه نحو حبيبته .. فالقلب محل الطعنات والعين مؤشرنا لمدى مقاومة الجثة .. الا ترى؟انها دراسة وعلم.

كما رسمت الخطة نفذتها حرفيا .. ذهبت الى تلك الجثة ثم بدأت عملي كالمعتاد .. طعنات قوية في البداية ثم تقل شيئا فشيئا فكل الجثث لا تحتمل في يدي اكثر من خمس طعنات على الاكثر .. وها انا وصلت الى الصفعة العاشرة و طعنات مستمرة و .. لا جدوى .. لطمات وطعنات أشد ولا جدوى .. كدت اجن .. ما هذا الذي يحدث ؟
واعاود الكرة مرة واثنان وثلاثة ولا فرق يحدث .. ابتسمت لي الطفلة .. فلم اعد استطيع تسميتها جثة بعد الان فهي لن تكن كذلك .. ثم بعد تلك الابتسامة ذهبت لتكمل طريقها وكاني لم افعل شيئا .. وعدت اجر اذيال الهزيمة والخيبة لعميلي..

كان عميلي ذاك هو والد تلك الطفلة وقد أجرني لما عرفه عني من شهرة وكانت مهمتي هى توبيخ الطفلة بطعنات من رصاص لمعاقبتها على معاندتها لابيها في بعض الامور ولكن تلك اللعينة الصغيرة كانت مقتنعة بكل ما تفعله قانعة بان ما تفعله لم تضر بها حريتها ولا حرية الاخرين كان عند بتحمل للمسئولية
وقد عرفتها طفلةفي الثامنة من عمرها

نسيت ان اذكر لك اني تعلمت حرفة القتل بسبب شغفي لتجريح الناس وتمزيقهم أشلاء .. لساني السليط كنت أصقله قبل كل مهمة من أجل النجاح ولكن في تلك الطفلة .. لم تؤثر بها ولا كلمة من لساني السليط هذا .. رغم احترافي كل ذاك القتل والسب كل تلك الفترة إلا اني عجزت امام ارادة قوية راغبة حقا في الحياة .. لم تمت أمامي .. لم ترتخي في الارض ولم تنهار ..
باختصار .. لم استطع قتلها

و ها أنا الآن
أعمل حاليا معلم بمدرسة ابتدائي احترم فيها ذوي السبع قبل ذوي الثمانية ..
لا مانع من قليل من قتل بعض الجثث الضعيفة اثناء العمل

توقفت عن مشاهدة كل سلسلة افلام شكسبير بدءاً بماكبث و ختاما بعطيل.
كان مبدأ البقاء للأقوى ما تعلمته فيما بعد وكان المبدأ الذي فرض نفسه بقوة على حياتي الى الآن.




Sunday, December 24, 2006

 




(الصنعة الخامسة)
السطر الأول



أكتب .. أبدع .. أخرج ما بعقلك و أنظمهم في سطور متتالية .. لا تخف .. لا ترتعد .. عبر عنك بطريقتك .. إنك حر

بيد مرتجفة بدأت أكتب وبدأت حروفي تتنزل في خوف .. عفوا .. إنها المرة الأولى .

" كان .. " و أتوقف.
لماذا توقفتِ ؟ فلتكتبِ .. ناظرا إلي بعين يغمرها التحدي أكثر من التشجيع .. يعلم أني لن أستطيع أن أكتب إلا ما قام بتحفيظه لي ..
كيف أخرج خارج أسواره التي أحاطني بها وولدت فيها.
أحبني أكثر من زملائي .. فضلني عنهم كثيرا و لكنه تملكني أكثر منهم .. جعلني أحفظ ما أملاه عليّ لسنوات طويلة .. فكيف بي الآن أخرج عن إطاره ..

أكملِ .. أكتبِ
" كان ياما كان .. "
و يقاطعني .. أستكتبين قصة ؟ من بطلها ؟ كيف ستبدأيها ؟ أقادرة أنتِ على تخيل أحداثها ؟ أستسردينها وحدك أم أساعدك ؟
تركت القلم والورقة وأزحتهم تجاهه .. " فلتكتب أنت أولا ".
" لا لا .. بل سأتركك تبدعين .. فلتتصوري أني لست موجودا ".
بعين مندهشة تماما أرد " لست موجودا ؟ "
و أردف داخلي .. كيف اتصورك لست موجودأ كيف اتصورك خفيا وقد كنت دوما جليا في نظري وعقلي و نصب عيناي .. أتركتني يوما أفكر وحدي .. أسمحت يوما لعقلي أن يهم بالتفكير خارجك ..

يطول صمتي .. فلا أقوى على مواجهته بكل ما يجول بخاطري.
و يعد لي ورقتي وقلمي .. لم يستطع أن يزد لي الورقة ليجعلها اثنان ؛ بل أكتفى بواحدة .. كان يعلم أن عقلي لن يستطرد في أكثر من ورقة واحدة ..
لم يكن يعلم بحدود لإمكانياتي ولكنه حدد لي مجال تفكيري وتحركي بأبعاد متساوية وأطوال هندسية قام بقياسها منذ أمد بعيد على نحو ما أذكر ..

" كان ياما كان .. كان هناك .. "
أنظر إليه بعين لم أرغب في أن يخرج منها بشيء .. لاحب و لا كراهية .. قد علمني الكثير فكيف بي أكرهه .. ولكنه حبسني داخل ما علمني إياه .. فكيف بي أحبه ..
أصبح شعوري تجاهه فن تشكيلي لا تعرف له ملامح .. لا يفهمه سوى متخصص .. خطوط متداخلة إذا ما وضحت فقدت قيمتها الفنية .

ويهم دوما بالكلام لئلا يقتلنا صمتي أمامه .. " عمن ستكتبين ؟ " بنظرة ضيقة ماكرة .. أشعر بتوعده لي إن لم أذكره في أولى كتاباتي تحت يديه ..
بتجاهلا مني لنظراته أكملت ..
" كان ياما كان .. كان هناك في زمان بعيد .. سجان "
انتزع مني الورقة وحُرمت تماما من الكتابة أو إجراء أية محاولات للكتابة إلى أن أنهي تعليمي و أخرج من تحت طوعه – إن أستطعت - هكذا فهمت منه.
لم تتسنى لي الفرصة حتى لأكمل سطري الأول.
كان هذا هو آخر سطر كتبته في ذلك العام ولكنه لم يصبح آخر سطر أكتبه في حياتي .. أصبحت هناك سطور أخرى تملؤها كلمات الرفض والاعتراض ولربما تسقط أحدى تلك السطور في يديه يوما ..
كم أود ذلك ..




Saturday, December 23, 2006

 




( الصنعة السادسة )

وداعا .. كل خريف !!



في عملنا – نحن السماسرة- نهتم للغاية بالروح المعنوية المرتفعة .. نرفع من روح العميل أو الزبون كما نقولها بلغة السوق فيقع الزبون دائم الشراء .. وهو ما يطلق عليه الزبون السُقع - بضم السين و وتسكين القاف- أو الزبون اللُقطة - بضم اللام- .. إنها لغة السوق.

أعتدت على الكثير من المكالمات الطويلة حول نوع أو مساحة الشقة المطلوبة وسعرها والتسهيلات والفصال .. وآه من الفصال ومشقته .. يالهؤلاء .. روحهم طويلة ونفسهم أطول .. لا يملون ولا يكلون من طول الكلام ..
- بـ 500
- بـ 200
- بـ 450
- بـ 250
- بـ 400
- بـ 300
- بـ 350 وهذا آخر ماعندي .. ها قلت ايه؟
- اتفقنا

وأخيرا تنزل رحمة الله بعباده .. ولك أن تتخيل ما بين هذه الأرقام من حوارات وأحاديث ونقاش ومكالمات طويلة الأجل عديمة المفعول بالمقارنة بالأجر الزهيد الذي اتحصل عليه في نهاية تلك الصفقات المريرة.

أما عن أسعد وأسهل تلك المكالمات .. تلك التي اجريها مع الزبون "المتريش" عفوا إنها لغة مهنتي .. الذي يوافق سريعا على كل شيء فتجهز الصفقة سريعا .. ثم لنقبض سريعا .. ويبيع هو أسرع .. فيعود لنا مرة أخرى .. وتعاد الكرة مرة اخرى .. أكاد اشتم رائحة النقود بمجرد ذكر ذلك الزبون السقع.

طٌلب مني البحث عن شقة إيجار في منطقة منعزلة نوعا ما ؛ ليأخذها مخرج تليفزيوني لمدة شهر لتصوير مسلسل تليفزيوني .. ومن حسن حظي أن المنتج كان من ذاك النوع .. الزبون السٌقع .. لذا تحمست كثيرا .. والحق يقال؟ أرتفعت روحي المعنوية جدا.

بعد البحث المعتاد المنهك .. وصلت إلى أحدي المنازل شبه المهجورة والتي تعجبت كثيرا عندما وجدت اسرة تعيش بها .. كان المستوى المادي لهذه الاسرة متوسط وكانت أسرة عادية جدا بحق .. ولكن ما كان بينهم عجيبا.

وجوها باردة .. تعلوها لمحات الاسى المكتوم .. الحزن الشديد وكأن على رؤوسهم الطير رغم كونهم يتحركون .. المنزل ملبد بالغيوم رغما عن تلك الشمس المشرقة بالخارج .. المنزل يكسوه خريف بارد رصاصي اللون ذو طابع مقزز رغم هذا الربيع السائد كل شيء عدا هذا المنزل ..

للوهلة الأولى .. أصبت بنسبة اكتئاب حاد .. لولا أني تداركت الأمر وتذكرت طلب هذا المنتج .. والحماس الذي راودني منه .. والحق أني تعجبت كيف تلك الروح النشيطة والمرتفعة التي رأيتها فى المنتج ستستطيع العمل داخل هذا الصندوق الخشبي الكئيب .. والكئيب جدا.
على كل حال .. هذا عمل وفي العمل تعلمت أن أقتل تلك الحالات النفسية –أحيانا- .. اتفقت مع الأسرة و تمت الصفقة –أخيرا- .

بعد انقضاء شهر عدت إلى البيت ولم أصدق .. لقد تغير حال البيت تماما .. أكتشفت بعد ذلك أن البيت لم يكن كئيبا على الاطلاق .. إنما كانت تلك الاسرة الباردة السبب .. الوجوم الذي كان يخيم على كل فرد فيها يكسوه البلادة والكآبة والحزن .. كان سببا وجيها لخلق تلك النزعة المرهبة لكل من يدخل هذا البيت .. ولما لا؟! و قد كان الصمت هو الحوار الوحيد بين الاسرة في تلك الدقائق التي قابلتهم فيها.. كما لو ان الاسرة انعزلت عن المحيط الخارجي وصارت متفردة بكآبتها وصمتها.

كان ذلك اليوم هو يوم احتفال كل الممثلين بانتهاء تصوير حلقات المسلسل ولم أصدق جو المرح والسعادة الذي كان يملأ ذلك البيت .. اني اكاد لا اتوقف عن الضحك منذ ان دخلت ذلك البيت .. رغم ان "كاست الممثلين كما يقولونها فى البلاتوه" لم يكونوا اسرة تربطهم روابط اسرية إلا أنهم استطاعوا خلق روح الاسرة فيما بينهم.

بعد عدة صفقات قررت تحسين معيشتي وقمت بشراء المنزل سابق الذكر.. نعم الذي "كان" كئيبا؛ لا تعجب .. فقد اشتريت منزل يكسوه الربيع بكل ما حوله ..

الأسرة ؟ ... قد رحلوا مثلما يرحل فصل الخريف .. ودعت تلك الاسرة يوم ان رحلوا "كما أعتقد" وداعا أبديا.











(الصنعة السابعة)
إسفاف


من صفحة مذكرات من دفتر كاتب عام 1999:
"ببساطة شديدة أنا مجرد –كاتب-
كتبت الكثير والكثير إلا أنه قلما تخرج مما كتبته بنفع .. أعلم أنه اعتراف من شأنه نفي نجاحي بل وينفي وجودي بأكمله من على الأرض إلا أن تلك هي مرارة الحقيقة ..
الحقيقة هي أني لم أكتب في حياتي سوى .... إسفاف
وتلك الورقة من صفحات دفتري لن تخرج منها بشيء .. فها هي ورقة أخرى من إسفاف منتشر.
تلك المقالات التي كتبتها قد بلغت فوق المائتين .. والكتب أكثر من خمسين .. أما عن الأحاديث الصحفية والتليفزيونية فقد بلغت على قدر ذاكرتي حوالي الثلاثين .. إلا أني أظل لا أجد مما فعلت جدوى .
وها أنا أقرأ الآن كتبي ومقالاتي ولا أخرج بشيء كعادتي .. ومعي حق .. ما هذا الاسلوب الساذج .. وماتلك الافكار السطحية العقيمة بل إن اكثر ما يستفزني في ذاك الورق هو اللغة الركيكة التي يمتليء بها .. وما بال هؤلاء القراء فيّ يمدحون ؟! وكيف صدقتهم يوما ؟
ولكني رغم كل شيء سأكتب لأني كاتب وقد أخترت أن تكون تلك مهنتي .. فلأتحمل عواقب إختياري .."

من صفحة مذكرات دفتر –نفس- الكاتب عام 2004.

وها أنا بعد خمسة أعوام .. وبعد تصفحي لتلك الورقة من دفتري .. قررت أن أكتب مثلها أو أن أكملها بعد تلك الأعوام الخمس ..
ولازالت نفس الاسئلة تدور برأسي .. ماهذا الاسفاف الذي كتبته منذ خمسة أعوام ؟ وما هذا الاسلوب السطحي الذي امتلات به أوراقي طوال تلك السنين ؟ ما تلك الأفكار العقيمة وكيف زادت مقالاتي سطحية وتفاهة .. لا جدوى مما أفعله .. بل إن أكثر ما يدهشني هو كيف زاد عدد قرائي يوما بعد يوم رغم ما أقدمه من إسفاف ؟

إلا أني رغم كل شيء كاتب .. وسأستمر في الكتابة.
و لأوفر عليك الوقت .. هذا أنا .. لن يعجبني ما أكتب طالما حييت ..
فماذا سأكتب في المستقبل إذا أعجبني ما كتبته للتو؟
كيف سأبدع وأبتكر أفكارا إذا ما استكنت إلى ما أكتب ؟ فما كتبته قد تم ، و قرأه الناس وأنتهى .. فماذا بعد ؟!!
لم أعتد الرضا عما كتبت ولن أرضى يوما عنه .. إذا رضيت عما قدمته فماذا سوف أقدم؟

لذا لنتقابل بعد خمس أعوام أخر لنتحدث عن هذا الاسفاف الذي كتب للتو .. وهذا الأسلوب الركيك .. ورغم كل شيء سأستمر في الكتابة لاني اولا واخيرا .. كاتب.





Archives

December 2006  

eXTReMe Tracker
إصدارات أخرى للدار
...........
...........
...........
...........
...........
...........

This page is powered by Blogger. Isn't yours?

Subscribe to Posts [Atom]